عبد الملك الجويني
451
نهاية المطلب في دراية المذهب
وفي بعض التصانيف أن التحيز ينبغي أن يكون إلى فئة قريبة ، وهذا هو الذي ذكره القاضي ، وهذا كلامٌ مبهم . وأنا أرى في هذا تفاوتاً واختلافاً بيناً بين الطرق ، فنذكر ما فهمناه من معنى القرب على أقرب [ معتبر ] ( 1 ) . ثم نذكر معنى التسوية بين القريب والبعيد ، فأما اعتبار القرب ، فلا ينبغي [ أن ينزّل على مسافة القصر ] ( 2 ) ، فإن هذا لا أثر له في الغرض المطلوب ، بل معنى القرب أن يكون على القرب من المعترك فئة من المرابطين ، وجمعٌ من المسلمين ذوي النجدة والبأس ، [ بحيث ] ( 3 ) يقدّر التحيزُ إليهم استنجاداً بهم [ حتى يدركوا المسلمين وينجدوهم ] ( 4 ) ، ولا يبعد أن يدركوهم والحرب قائمة . هذا معنى التحيز إلى الفئة القريبة ، وهؤلاء يقولون إذا بعدت الفئة ، فليس التحيز إليهم استنجاداً في هذا القتال ، وإنما هو تركُ القتال قصداً ، وعزمٌ على الجهاد يوماً من الدهر إذا اتفق العود ، ولو فتحنا هذا الباب فنسوغ مثلَه للجند بأجمعهم ، وإن زادوا على عدد الكفار ، وهذا يبعد على النسق الذي ذكرناه . وإذا حملنا التحيز على الاستنجاد بالفئة القريبة التي قد تلحق المعترك ، فهذا قرين التحرف للقتال ، وقد ذكر الله تعالى التحرف والتحيز في قَرَنٍ . هذا معنى القرب على هذه الطريقة . ومن جوّز الهزيمة على قصد التحيز إلى الفئة البعيدة ، فلا شك أنه فرار ناجز ، وكان القصدُ في العَوْد بخلاف ( 5 ) المصابرة ، ويبطل على هذا إطلاق القول بأن الجهاد يتعين المصابرة فيه ، ولا حاصل لذكر الضِّعف والزيادة عليه . ولكن يعترض في هذا شيء حتى لا يتسع الفتق ، وهو أن تجريد هذا القصد ليس
--> ( 1 ) في الأصل : " من اعتبره " . وما أثبتناه هو المعهود في لفظ الإمام ، وهو المناسب للسياق . ( 2 ) في الأصل : " أن ينزل " على ما يقصر على مسافة القصر . ( 3 ) في الأصل : " فحيث " . ( 4 ) في الأصل : " حتى يدرك المسلمين وينجدها " . ( 5 ) بخلاف المصابرة : أي مكان المصابرة وبديلاً عنها .